بقلم مارك آلان پاول
ترجمة أشرف بشاي
ما الذي يمكن أن يحدث لو سُئل بعضُ الدارسين أن يضعوا خلاصةً لأعظم الأشياء المختّصة بيسوع؟ لا شك أن القائمة ستختلف من دارس إلى آخر، لكن كثيرين من المسيحيين سوف يُدرِجون قصة ميلاد المسيح (لوقا 2: 1-20)، ومثل السامري الصالح (لوقا 10: 30-37)، ومثل الابن الضال (لوقا 15: 11-32)، والصلاة الربانيّة (متى 6:9-13)، والتطويبات (متى 5: 3-10)، والقاعدة الذهبيّة للمعاملات (متى 7: 12)، وربما القليل من مقابلات يسوع الشخصيّة مع أشخاص لا يُنسوْا، مثل زكا (لوقا 19: 1-10)، مريم ومرثا (لوقا 10: 38-42)، توما (يوحنا 20: 19-29)، المرأة السامريّة عند البئر (يوحنا 4: 5-30)، وفيما يتعلَّق بقصص المعجزات سيكون من الصعب تجاهل إقامة لعازر (يوحنا 11:1-44)، تحويل الماء إلى خمر (يوحنا 1: 1-11)، كذلك لا يُمكننا أن نترك تعليم يسوع عن «محبة الأعداء» (متى 5: 43-48)، ولا «هكذا أحب الله العالم» (يوحنا 3: 16).
إن القاسم المشترك الأعظم لهذه المقاطع هو أنها جميعًا لا ترِدُ في إنجيل مرقس؛ فإنجيل مرقس هو أقصر الأناجيل الأربعة، وهو يفتقد الكثير من أشهر وأحب الأجزاء المختّصة بيسوع؛ فلا نجد فيه قصة ميلاد يسوع المسيح، ولا قصص ظهور المسيح المُقام للتلاميذ. لكننا نجد هنا قليلًا من الحجارة الكريمة؛ مَثَل الزارع (4: 1-9)، إشباع الخمسة آلاف (6: 30-44)، واللقاء مع الرئيس الشاب الغني (10: 17-22). ولهؤلاء الذين اعتادوا قراءة البشائر الأخرى، يبدو لهم إنجيل مرقس ضئيلًا متناثرًا، لا سيما فيما يتعلَّق بتعليم يسوع المُقدَّم فيه. والأكثر من ذلك، فإن مرقس يقدِّم القصص المختّصة بيسوع بطرق تُركِّز على الضعف، والمعاناة، والغموض، والفشل البشري، وهذا الأمر لا يقدِّمه للقُرّاء إنجيلًا مُغطَى بالقوة، والمجد، والنجاح، واليقين.
ومع ذلك، فحتى النُقّاد والمشكّكين، الذين يدرسون الإنجيل كنوعٍ من الأدب، غالبًا ما يختارون مرقس ليكون التحفة الفنيّة masterpiece بين الأناجيل الأربعة؛ فإنجيل مرقس أقلُ تعقيدًا من بشارتيّ متى ولوقا، وهو أقل «إسهابًا» (وأقل تفلسُفًا) من إنجيل يوحنا. إنه قصةٌ متكاملة من البداية حتى النهاية، قصةٌ من النوع الذي يُروَى أو يُقرَأ بصوتٍ عالٍ في جلسة واحدة. إن مرقس يحكي القصة بطريقة حيّة مملوءة بالألوان، مُقدِّمًا حبكةً مدروسة، وقويّة، ومباشرة عن تفاعل الشخصيات في إنجيله؛ هذا التفاعل الذي يمكن التنبؤ به في مرات والذي يفاجئنا في مرات أخرى. كل ذلك يدفعنا للقول إن إنجيل مرقس ليس مُصنَفًا ذا مجموعة من القصص المتنوعة بقدر ما هو قطعة فنيّة واحدة، أو هو قصة مملوءة بالسِّر، والصراع، والسخرية، والرثاء.
ويُعتقدُ عادة أن إنجيل مرقس قد كُتب في مكان ما كانت الكنيسة فيه تختبرُ اضطهادًا عنيفًا. وعلى الأقل، كان قُرّاء الإنجيل على دراية بما حدث في روما خلال حكم الامبراطور نيرون؛ فلقد عُذِبَ المسيحيون وصُلبوا، وقُدِّموا طعامًا للأسود، وأُشعلتْ فيهم النيران ليكونوا مشاعل تنير ظلمة الليل. وفقًا لذلك، يعتقد علماءٌ كثيرون أن المجتمع الذي كُتبَ له الإنجيل كان يتكوّن من هؤلاء المؤمنين الذين بقوا على قيد الحياة بعد ان اجتازوا الاضطهاد، فالأشجع والأجرأ منهم كان قد رحل. إن كلَّ الذين تبّقوا، بمن فيهم أولئك الذين كسرتهم الضغوط، والبعض منهم الذي أنكر المسيح من أجل أن ينجو بحياته، وربما خان بعضهم باقي أعضاء الكنيسة (قارن مثلًا 13: 12)؛ الكثيرون، بل ربما الأغلبيّة، عاشوا بهدوء آملين أن أحدًا لن يتوافر لديه أيُّ سبب لكي يفتقدهم بهذا النوع من الإيمان الذي جلب عليهم التعاسة والألم. فإذا كان الأمرُ كذلك، فلعل البشير مرقس كتب إنجيله لكي يزوِّدهم بالتعزية والتحدي ليواجهوا الفشل، والجبن، والخيانة. إن طريقة الطرح لكثير من أفكار الإنجيل تصبح ذات معنى في ضوء هذه الحقيقة: إن الصليب يجب أن يكون ذا مركزيّة لأي فهم حقيقي لشخصيّة المسيح، كما أن الفشل الذي عاناه تلاميذ المسيح يجب أن يستدعي لهؤلاء المتألمين والمرتدين مصدرًا للرجاء المتعاطِف.
من المحتمل أيضًا أن مثل هذا الهدف الرعوي قد أمدَّ مرقس بالدافع لكي يترك إنجيلَه بنهاية مفتوحة (بالقطع ما لم يكن البشير قد ختم إنجيله لكن الخاتمة، ببساطة، قد فُقدَت). يعتقد علماءٌ كثيرون أن مرقس أنهى إنجيله (عند آية ١٦: 8) لأن القُرّاء أنفسهم يحتاجون أن يقرِّروا لأنفسهم ما الذي تَمَّ بعد ذلك. إن القُرّاء يعرفون ما حدث لتلاميذ يسوع أنهم قابلوا يسوع بعد قيامته، وأنهم – بصرف النظر عن جبنهم وإنكارهم- قد صاروا شهودًا للمسيح في كل العالم. لكن البشير مرقس، من خلال قصة التلاميذ، يختار أن يُنهي الرواية عند نقطة تمثِّل منعطفًا حساسًا بالنسبة للقُرّاء: إنه يختم الإنجيل بدعوة للتكريس حتى الموت altar call وعليه، فالحديث إلى القُرّاء معناه أنه يتعيّن عليهم أن يُقرِّروا ما إذا كانوا يريدون استكمال مشوار إيمانهم أم لا. إن عدم أمانتهم تجاه يسوع قياسًا بأمانته هو نحوهم يشابه تمامًا موقف التلاميذ، فهل سيتصرفون كالتلاميذ أم لا؟ طبقًا لهذه النظرية، تنتهي رواية مرقس عند آية 8 التي تصوِّر الخوف والصمت لأن مرقس يريد لقُرّائه أن يدركوا أن القصة لم تنتهِ بعد، بل لا يمكن أن تنتهي بهذه الصورة؛ فالقراء يحتاجون أن يجيبوا على سؤال: «ماذا يعني هذا بالنسبة لنا؟، ما الذي سنفعله بعد ذلك؟ وماذا بعد؟»